ابن تيمية

23

مجموعة الرسائل والمسائل

وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم ، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه ، وربما قدم على المصالح المهدية كلاماً بخلاف النصوص ، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً بناء على أن الشرع لم يرد بها ، ففوت واجبات ومستحبات ، أو وقع في محظورات ومكروهات ، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه . وحجة الأول : أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح ، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها ، وحجة الثاني : أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصاً ولا قياساً . والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله . وهي تشبه من بعض الوجوه مسئلة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك ، فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج ، وهو رؤية الشيء حسناً كما أن الاستقباح رؤيته قبيحاً ، والحسن هو المصلحة ، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان ، والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن ، لكن بين هذه فروق . والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط ، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة ، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك ، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له ، إما أن الشرع دل عليه هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة ، وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة ، كما قال تعالى في الخمر والميسر ( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) .